الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

#اشرح_ياعارف | الحلقة 87

#اشرح_ياعارف | الحلقة 87 

  

    #اشرح_ياعارف | الموسم الثاني | الحلقة 87
 ●●يقول الشيخ السالك المُسَلِّك العارف بالله تعالى سيدي أبو العباس أحمد البوني رحمه الله تعالى :
  ❞ ... روح القدُس نزل بالحقيقة الكتابية ليثبّت الذين ءامنوا .. و السكينة نزلت في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ، و السكينة صدرت عن نور إسم فعل و الصفة أولى بالعظمة من الفعل ، لأن الأفعال يتصف بها أيضا العالَم الإنساني أما الصفات العُلى فمحال أن يوصف على حقيقتها غير الله تعالى ؛ فالسكينة لا تزيد و لا تنقص ، و الإيمان يزيد و ينقص ... ❝ اهـ .
 ■■ الشرح :
   1. روح القدس ونزول الحقيقة الكتابية
الارتباط بالوحي: يشير الشيخ رحمه الله إلى أن روح القدس (سيدنا جبريل عليه السلام) نزل بالقرآن الكريم الذي يمثل "الحقيقة الكتابية" الثابتة المطلقة.
وظيفة التثبيت: الغاية من هذا النزول الإلهي هي تثبيت قلوب المؤمنين في وجه الفتن والمحن، لتبقى أقدامهم راسخة على صراط الحق، كما قال تعالى: "قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا" [النحل: 102].
"روح القدس" (سيدنا جبريل عليه السلام) هو واسطة الفيض الأكبر والروح الكلي الذي ينقل الحقائق من عالم الغيب المطلق (اللوح المحفوظ) او الحقيقة الكتابية إلى عالم الشهادة (قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم والأمة).
2. السكينة: عطاء إلهي يمد الإيمان
محل النزول: بينما نزل القرءان على قلب النبي صلى الله عليه وسلم والأمة بالبلاغ، فإن "السكينة" تنزل خصيصاً في قلوب المؤمنين لتكون برداً وسلاماً وطمأنينة.
ثمرة السكينة: أثر هذا النزول هو زيادة اليقين والاطمئنان، بحيث يرتفع الإيمان ويتقوى، مصداقاً لقوله تعالى: "هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهمْ" [الفتح: 4].
لماذا نزل بها روح القدس؟ لأن النفس البشرية متأرجحة بطبعها بين عواصف الشهوات وشبهات الغفلة، فلا يقوى كيانها على الثبات أمام طوفان المادة إلا إذا اتصلت بمصدر إطلاقٍ لا يتغير. فنزل روح القدس ليربط "جذر القلب" بالحقيقة الإلهية الثابتة، فيتحقق للمؤمن مقام الثبات الذي لا تهزه رياح الحوادث.
3. الفرق بين الصفة والفعل في حق الله تعالى
مرتبة الأفعال: يوضح الشيخ أن "السكينة" صادرة عن نور "اسمِ فعلٍ" إلهي. والأفعال الإلهية (كالخلق، والرزق، والإنزال) قد يتصف العالَم الإنساني بنحوٍ من أنحائها مجازاً أو كسباً (فالإنسان يفعل أفعالاً باكتسابه)، ولذلك فهي مشتركة من حيث المبدأ اللفظي أو المعنوي الأدنى.
مرتبة الصفات: أما الصفات العُلى (كالعلم، والقدرة، والحياة) فهي خاصة بالله تعالى وحده على حقيقتها المطلقة، ويحال أن يشاركه فيها سواه، و"الصفة أولى بالعظمة من الفعل" لأن الصفة أقدم وأبديّة وأعظم شأناً من الآثار الناتجة عنها و هي الأفعال.
4. ثبات السكينة وتغير الإيمان
السكينة (أمر إلهي ثابت): لأن السكينة متعلقة بالأنوار الإلهية والمدد الصادر عن الحضرة، فهي في ذاتها لا تزيد ولا تنقص؛ لكونها أمراً ربانياً ومحض عطاء إلهي مقدس لا يطالب بالتغير.
الإيمان (حال بشري متغير): في المقابل، فإن الإيمان البشري كسب عملي واعتقادي، وهو بطبيعته "يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية"، صعوداً وهبوطاً بحسب صفاء القلب ومجاهدة النفس و غفلتها.
"روح القُدُس نزل بالحقيقة الكتابية ليثبّت الذين ءامنوا"
في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحسان بن ثابت رضي الله عنه: "اهجهم -أو روح القدس معك-"، فجبريل عليه السلام مؤيَّد بالقداسة والطهارة المطلقة.
معنى "الحقيقة الكتابية": القرآن الكريم ليس مجرد كلمات تُتلى، بل هو "الحقيقة الكتابية" الكونية الكبرى، الناموس الإلهي الأبدي الذي يعصم من الضلال. نزلت هذه الحقيقة لتربط الأرض بالسماء.
وظيفة التثبيت: حين تشتد الفتن وتتلاطم أمواج الشبهات والشهوات، تأتي "الحقيقة الكتابية" لتغرس جذور القلب في أرض اليقين. فالمؤمن المتمسك بالقرآن كالشجرة الطيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، لا تهزها الرياح العاتية.
"والسكينة نزلت في قلوب المؤمنين ليسترشدوا -أو ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم-"
السكينة هي الطمأنينة و برد اليقين والروح التي يلقيها الله في قلب عبده عند الخوف والاضطراب، كما حدث مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه في الغار: "فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا" [التوبة: 40].
القرآن (الحقيقة الكتابية) نزل ابتداءً في اللوح المحفوظ ثم على قلب النبي صلى الله عليه وسلم للبلاغ العام، أما السكينة فمحل نزولها الخاص هو "قلوب المؤمنين" ؛ فهي منحة قلبية وذوقية خاصة بأهل الإيمان.
"والسكينة صدرت عن نور إسم فعل"
كما أن النار تحرق بخاصية جعلها الله فيها، فإن "اسم الفعل" الإلهي يُفيض السكينة على القلوب المستعدة المتلقية، فتسكن الحركات النفسية المضطربة وتخضع لجلال الله.
"والصفة أولى بالعظمة من الفعل، لأن الأفعال يتصف بها أيضاً العالَم الإنساني أما الصفات العُلى فمحال أن يُوصف على حقيقتها غير الله تعالى"
سمو الصفات على الأفعال: يقرر الإمام البوني قاعدة عقدية دقيقة ؛ فالصفات الإلهية الذاتية (كالعظمة، والكبرياء، والعلم المطلق، والقدرة التامة) هي أعظم وأعلى مرتبة من الأفعال، لأن الأفعال قد يقع اشتراك مجازي في مسمياتها بين الخالق والمخلوق.
التوضيح : الإنسان يستطيع أن "يفعل" (فيخلق شيئاً بصنعه، أو يفتح باب رزق لغيره ، أو يرحم ابنه) ، و لذلك يتصف الإنسان بوجه من أفعال الكسب المجازي. أما "الصفات العُلى" على حقيقتها وأزليتها وكمالها المطلق، فمحال ويستحيل أن يتصف بها أو يدرك كنه حقيقتها أحد سوى الله عز وجل. صفات الخالق تليق بجلاله، وصفات المخلوق تليق بنقصه وعجزه.
"فالسكينة لا تزيد ولا تنقص، والإيمان يزيد وينقص" الماذا لا تزيد ولا تنقص السكينة؟ لأنها مدد إلهي رباني بحت ، بحر من النور والاطمئنان يفيضه الله من حضرته؛ فهو في ذاته تام وكامل لا يقبل التجزئة ولا الزيادة والنقصان.
لماذا يزيد الإيمان و ينقص؟ لأن الإيمان متعلّق بالمحل القابل (وهو قلب الإنسان المتقلب). فالقلب بحسب صقائه وصدقه وتوجهه يستقبل من هذا النور بقدر ما صفا، وبحسب غفلته ومعصيته يحتجب. فالنور الإلهي (السكينة) ثابت في أصله، ولكن "وعاء الاستقبال" (وهو قلب العبد وإيمانه) هو الذي يتأرجح بين صعود وهبوط، وقوة وضُعف.
إذن: النور (السكينة) ثابت لا يتغير، والمرآة (الإيمان والقلب) هي التي تتقلب بين صفاء وكثافة.
فيمكن تصور السلسلة هكذا:
الاسم الإلهي
الفعل الإلهي
الأثر في العالم والقلب
السكينة
زيادة الإيمان
لكن البوني يريد أن يقول: لا تقف عند الفعل باعتباره الحد النهائي.
لأن الفعل قد يظهر في العالم في صورة أثر.
أما إذا ارتفع شهود السالك من الأثر إلى الصفة ثم إلى الاسم، فإنه لا يعود يتعامل مع السكينة كـ«حالة نفسية» فقط، بل كـ وارد إلهي له أصل في التجلي الاسمي والصفاتي.
و هنا تصبح السكينة بابًا من أبواب المعرفة .
لأن البوني يجعل العلاقة بينهما علاقة تثبيت وترقية.
فالسالك لا يطلب السكينة لذاتها بوصفها شعورًا لطيفًا.
بل يطلبها لأنها تجعله أثبت في الإيمان.
وهذا يفرق بين التصوف التربوي وبين البحث عن «الحالات الروحية».
فمن طلب السكينة لكي يشعر بالسكينة، قد يجعل الحال غاية.
أما من فهمها كما هنا، فإنه يطلبها ليزداد إيمانًا مع إيمانه.
أي أن الوارد ليس نهاية الطريق؛ بل الوارد يخدم السير.
فالسكينة ليست إقامة في «إحساس جميل»، وإنما قوة تثبيت تُدخل الإيمان في طور جديد من التحقق.
وأشد ما في كلام البوني جبروتًا أن السكينة لا تعني أن الله غيّر ما كتب لك حتى يرضى قلبك؛ بل إن السكينة قد تكون هي نفسها جزءًا من الكتاب الذي كتب لك أن تتغير به. قد يكتب عليك خوف ثم يكتب معه سكينة، لا لكي لا تخاف أبدًا، بل لكي تتعلم أن الخوف لا يملكك. قد يكتب عليك فقد ثم يكتب معه سكينة، لا لكي يصبح الفقد عطاءً في صورته، بل لكي ينكشف لك أن العطاء الحقيقي ليس الشيء. قد يكتب عليك تأخير ثم يكتب معه سكينة، لكي ينقل قلبك من عبادة النتيجة إلى عبادة المدبر. وهنا تصبح السكينة تربية جبروتية: إنها لا تدللك على مراد النفس، بل تنتزع النفس من مرادها وتردها إلى الكتاب.
وهذا هو معنى زيادة الإيمان «مع إيمانهم»: أن الله لا يزيدهم إيمانًا بمجرد أن يعطيهم شيئًا يحبونه، بل قد يزيدهم إيمانًا بأن يكشف لهم أن الإيمان بالله لا يتوقف على الشيء الذي يحبونه. فيرتفع الإيمان من الإيمان بالعطاء إلى الإيمان بالمعطي، ومن الإيمان بالمعطي إلى الإيمان بتدبيره، ومن الإيمان بتدبيره إلى التسليم له، ومن التسليم إلى الفناء عن رؤية التدبير الشخصي، حتى يصبح العبد في النهاية لا يسأل: «أين أنا من مرادي؟» بل: «أين أنا من مراد الله؟». وعند هذه النقطة تتصل السكينة بسر الفناء الذي تبحث عنه: لأن السكينة تبلغ غايتها حين لا يعود القلب يطلب سكونه هو، بل يسكن في حكم الله؛ لا يسكن لأن الحكم وافق هواه، بل يسكن لأن الحكم حكم الله.
فإذا أردنا أن نقرأ عبارة البوني كلها كأنها سطر واحد من اللوح، فهي تقول في سرها: كانت الحقيقة معلومة، فنزل حكمها؛ وكان الحكم متعينًا باسم، وظهر الاسم بفعل؛ وظهر الفعل في القلب أثرًا؛ وكان أثره سكينة؛ وكانت السكينة تثبيتًا؛ وكان التثبيت زيادةً في الإيمان؛ وكانت الزيادة انتقالًا بالإيمان من مرتبة التصديق إلى مرتبة التحقق؛ وكل ذلك لم يستحدث في العلم الإلهي، وإنما ظهر في الزمان ما كان معلومًا في الأزل. فالسكينة لا تزيد ولا تنقص لأنها حكم إلهي في أصله، والإيمان يزيد وينقص لأنه محل السير في ذلك الحكم؛ والاسم فعلًا يظهر، والصفة أصلًا لا يشترك فيها أحد، والقلب ليس مصدر النور بل موضع ظهوره، والعبد ليس صاحب الحقيقة بل محل حكمها، واللوح ليس شيئًا يكتبه الله الآن، بل هو عند أهل الإشارة وجه إحاطة العلم الإلهي بتفاصيل ما يظهر في عالم الخلق.
و هنا فقط نفهم لماذا قال البوني «السكينة لا تزيد ولا تنقص» ولم يقل «حال السكينة لا يزيد ولا ينقص»؛ لأنه يريد أن يردك من التجربة إلى مصدرها، ومن المصدر إلى الاسم، ومن الاسم إلى الصفة، ومن الصفة إلى العلم، ومن العلم إلى الكتاب. فالعارف لا يقف عند ما وجد في قلبه، بل يسأل: من أين جاء؟ وبأي حكم جاء؟ وفي أي اسم جرى؟ ولماذا جرى في هذا الوقت؟ وما الذي كُتب أن يغيّره فيَّ؟ فإذا صار هذا السؤال حيًا في القلب، لم تعد السكينة مجرد طمأنينة؛ صارت كشفًا عن ترتيب العناية في وجودك.
يضعنا الإمام البوني أمام لوحة ربانية بديعة : القرءان يثبّتنا، و السكينة تطمئن قلوبنا من فيض أفعال الله العظيمة التي تنحدر من فوق سبع سماوات، و صفات الله منزهة عن مشابهة الخلق، و إيماننا البشري مطالب دائماً بالترقي والمجاهدة ليكون أهلاً لتلقي تلك السكينة الدائمة التي لا تتغير ولا تزول.
    
مقتطفٌ وَقْفٌ لله تعالى من كتاب (اشرح يا عارف) - الجزء الرابع ، للأستاذ س محمد مرتضى | 2025 - 2026 ( قيد التأليف ) .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

منشورات مميزة

#اشرح_ياعارف | الحلقة 87

#اشرح_ياعارف | الحلقة 87           #اشرح_ياعارف | الموسم الثاني | الحلقة 87   ●●يقول الشيخ السالك المُسَلِّك العارف بالله تعالى سيدي أبو ال...